تبلّد

تبلّد
رمَى أوراق الفواتير المتكدّسة أرضًا ، و ضرب الطاولة بِشدة

كشّر في وجههَا صارخًِا :

ـ ألا تشعرين ؟ هل أنتِ متبلدّة ؟ هل زوجتي مصابة بِمرض نفسي ...

بدأ يحرك يديهِ بعشوائية : أختي تُهينكِ مِن جهة ، وأمي تصرخ في وجهكِ أمـام قريباتي مِن جهةٍ أٌخرى ، طفلكِ يتعرض للضرب وتبتسمين ببلاهة في وجه مَن يستسمح إليكِ ، اسمع همسات نسوة جيرانِنا وهن يسخرن منكِ ومن شخصيتكِ الضعيفة .
لم تتناولي شريحة لحمٍ مُنذ شهر ، لم تدخل الشوكولا في فم طفلكِ مؤخرًا ، لكنكِ تستمرين بالإبتسام ، وتقابلينني كُل يوم بِضحكة وروحٍ جميلة ..

رمى جسده النحيـل على الكرسي و أكمل بِتثاقل : أنـا تعِبت من برودتك
ألا تتعبين أنتِ ؟

رمقته زوجته بنظره موّبخة بينما ظهرها منحنٍ تلملم الأوراق المُلقاة في كُل مكان ،
وضعتها أمـامه بعدما رتبّتها جيدًا ، ابتسمت بِخفة وهمست بِصوتها النـاعم :
ـ أتريد أن تعرف السر ؟
سرّ البقـاء صامدة وقوية ومبتسمة ، سرَ الروح الجميلة دائِمًا ، أتريد ؟
أومأ الزوج السـاخِط برأسه
لُتكمل كلامها وهيَ تنظُر إلى أطراف أصابعها :
عندمـا تنتهي مِن مُكالمةٍ مـا ،تكون قد طلبت فيها مساعدةً مِن أحد ورفض ذلك ، أنت تغضب في وقتها و تحطّم الأشيـاء من حولك ، بينما أنـا أٌلملم ما حطمت وأرمي في داخلي ، عندمـا تصلك رسالة تحذيرية مِن البنك ونحن نشـاهد التلفاز أنت تُطفئ التلفـاز بغضب و تذهب إلى الغرفة شاتمًا وساخطًا على كُل مـا أمامك أنـا أبلع غضبي ، وأتيك بكوبٍ مِن الحليب البـارد أو عصيرٍ مُنعش ، عندمـا يتقيأ طفلنا عليك بعد أن خرجت مؤخرًا من حمامك البـارد أنت تصرخ قـائلًا بأن لا حظ جيد لديك في أي شيء ، بينما أٌسكتُ الطفل وامسح الأرض و أهرع لأغيّر لك ثوبك .. في خضم كُل هذه الأحداث وفي نهاية اليوم أنت مـاذا تفعل ؟
أجاب الزوجُ مُطأطأً : ماذا أفعل ؟
الزوجة بابتسامة صفراء : تذهبُ للنوم ، وأنـا ماذا أفعل ؟
الزوج بدونِ تفكير : للإستحمام وشرب النعناع الدافئ ، إنك تفعلين ذلك منذ تزوجنـا .
غرست أنـامِلها وسط شعر زوجها الكثيف : لقد توقفت عن هذه العـادة مذ رزقنا بإبننا الوسيم .
ـ إذًا مالذي تفعلينه بشكلٍ يومي ؟!
ـ أذهب إلى غرفة المعيشة ، أوصِدُ الأبواب جميعها من خلفي أحرص على التأكد مرّة واثنتين وثلاثة مِن تعمقكِ في النوم ثُم ..
الزوج بفضولِ شديد : ثم؟
ـ أُطلق العنان لدموعي المحبوسة ، ومـا رميته داخلي ، غضبي الذي لا أٌظهره أثناء النهار وأبلعه في كُل موقف أٌخرجه على شكل شهقاتٍ مكتومة وأحيـانًا مسموعة في آخر الليل ، أملك وسِادة في المخزن ، أحيـانًا إذا سمعت التوبيخ من أُمك وكـان حزني ذلك اليوم سيء أعضّ على الوسادة بِشدة حتى أشعر بألآمٍ في أسناني ، أبقى على هذه الحالة وسط بكـائي حتى أشعر بطاقة اليوم السلبية بالاختفاء ، ثم ارسم ابتسامة و تكون هذه الابتسامة هيَ مـا أٌقابلكم بِها صباحًا .

هل لا زلت تعتقد بأنني بـاردة ومُبتلدة ؟
...

إخفـاء من أمامك لمـشاعره و إدّعاءه بالبرود واللامبـالاة لاتعني بأنه لا يشعر
أو أن قلبه متبلّد فعلًا ، رُبمـا مـا في داخِله ضجيجٌ لايهدأ ، وعواصف هـاِئجة .
اِرحم النـاس من تعليقاتك القـاسية ، وكلماتك " المبتلدّة " التي تتهمهم بالتبلّد .
فليس خلف كل ابتسامة جميلة قلبٌ هانئ

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الجزء الأول من رواية "أنا مريم".

لمن يكتب أو يفكر بالدخول لعالم الكتابة (لماذا نكتُب ؟؟ )

اللغة ذاكرة الشعوب .